عائلة كتناشو


فكل من يسمع اقوالي هذه ويعمل بها اشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر  (متى 7: 24)

اهلا وسهلا بكم في الموقع الخاص بعائلة كتناشو
الصفة الرئيسة
الصور
شريط فيديو
السيرة الذاتية
اختبارات روحيّة
كتب
مقالات
عظات
مقابلات وإعلام
أخبارنا
اتّصلوا بنا
English Site

الحرب من وجهة نظر المسيح
July 2, 2010


الإنتقام والكراهية في الحرب

خلال الأحداث المأساوية الأخيرة في غزة، وفي فترة قتل مئات الأبرياء في بلادنا العزيزة، كتبت إلى أتباع المسيح بين اليهود رسالة أثارت غضب الكثيرين منهم (Katanacho 2009: 1 ). عبرت في تلك الرسالة عن ألمي الشديد لرؤية ذبح أطفال غزة وسفك دمائهم وعن عدم موافقتي على مبادلة العنف بالعنف وبإطلاق الصواريخ على إسرائيل بهدف قتل المدنيين. وتساءلت عن موقفهم من هذه الأحداث مؤكدا أن موقفنا المتعلق بتبرير قتل الإبرياء هو أكثر من موقف سياسي. هو أيضا موقف لاهوتي وأخلاقي. وتساءلت وما زلت أتساءل عن كيفية نعبيرنا عن محبة الله وعدالته في وسط الكراهية والظلم وسفك الدماء البريئة؟ من الواضح لي أن المسيح لا يريد درب الإنتقام والكراهية، بل يشجعنا أن نسلك درب المحبة والسلام.

كيف ندّعي أننا نؤمن بالمسيح وبتعاليمه السامية ثم نوافق على قتل وجرح الناس الأبرياء؟ فأتباع المسيح هم الذين يحملون علم المحبة والرحمة والعدالة لجميع الناس، للأسرائيليين والفلسطينيين على السواء. وأكدت في الرسالة أن المسيح يدعونا إلى السعي نحو لاهوت السلام وإلى التخلي عن تبرير لاهوت الحرب. فكيف نسمح لأنفسنا أن نكون من أتباع رئيس السلام ونحن نستخدم أسلحة القتل والدمار وننشر الإنتقام والكراهية؟ وكيف نصافح بعضنا البعض والأيدي ملطخة بدماء الأبرياء؟ وأكدت أنني أرفض قتل الأبرياء وسفك دمائهم مهما كانت خلفياتهم الإثنية أو الدينية.

كانت ردود الفعل حادة والنقاشات طويلة مما دفعني إلى قراءة الكتاب المقدس مرة تلو الأخرى. وقررت أن أدقق في الفكر المسيحي ذات الصلة بالموضوع. وسأقدم في هذه المقالة دراسة مقتضبة لبعض نصوص الكتاب المقدس المرتبطة بتحدياتنا في زمن الحرب. سأتحدث أولا عن الإنتقام أو إن شئتم عن عدم الإنتقام.

(1) عدم الإنتقام
يقول الكتاب المقدس: "سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده (مت 5: 38 – 42)."

يؤكد البشير متى أن انتقام البشر من بعضهم البعض هو أمر يرفضه الله. ويدون لنا القديس متى قول المسيح: "سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن" (مت 5: 38). لقد كتب موسى في العهد القديم شريعة العين بالعين والسن بالسن إذ يقول: "إن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض" (خر 21: 23 – 25). ويقول سفر اللاويين: "كسر بكسر، وعين بعين، وسن بسن كما أحدث عيبا في الإنسان كذلك يُحدث فيه" (لا 24: 20). لقد خطت أسفار موسى الخمسة ما يُعرف بقانون العقاب المتناسب مع الجريمة لتحد من خلال هذا القانون العقوبة المبالغ فيها. فيجب أن تتناسب العقوبة مع الجريمة. تنال الجريمة الكبيرة عقوبة كبيرة وتنال الجريمة الصغيرة عقوبة صغيرة. فلا يجوز أن نقتل مئة نفس من الفئة المعتدية التي قتلت نفسا واحدة. ولا يجوز أن نقلع مئة عين من المجموعة التي أذنبت بقلع عين واحدة. ولم يكن هذا التوجه هو عند شعب إسرائيل القديم فقط، بل نرى مبادئ قضائية مشابهة في قانون حمورابي.

لكن الناس زمن المسيح شوهوا هذا القانون القضائي والأخلاقي. فبدلا من تنفيذ العدالة التي تمنع إنتشار العنف في المجتمع عن طريق إيقاف الظالم بطريقة تتناسب مع حجم ظلمه، استغلوا الفرصة لشفاء غليلهم ولينتقموا من الذين آذوهم. وحولوا القانون إلى مبرر لفعل ما أراد الناموس أن ينهى عنه أي الإنتقام البشري (Wenham 1972: 35). ويقدم المسيح لنا أربعة مواقف صعبة تغرينا أن نسلك طريق الإنتقام (ستوت 1999: 113 - 121). أولا، يلطمنا أحد على خدنا الإيمن. وإن كان المعتدي يستخدم يده اليمنى فيكون الإعتداء على الخد الإيمن بظهر اليد اليمنى. فالإعتداء الجسدي المهين الذي لا يحترم ويقزم إنسانيتنا يثير فينا رغبات الإنتقام. واستخدام القوة بطريقة شريرة ومهينة تعرضنا لتجربة الرغبة في الإنتقام. ثانيا، يبادر المعتدي بالخصام ويأخذ ثوبنا. بكلمات أخرى، يعتدي أحد علينا ليسلب ممتلكاتنا التي ليست من حقه. فيسلب الثوب ويبادر في إثارة الخصومة ويسبب لنا الخسارة المادية وفقدان الكسوة والكرامة. ويعلق وليم إدي على مت 5: 40 قائلا: إن المعتدي يريد أن يسلب منا كل ما نملك حتى الثوب الذي علينا (إدي 1973: 75). إن سلب الممتلكات سواء كانت كبيرة مثل الأراضي الواسعة أو صغيرة مثل ثوب يثير فينا الغضب الذي قد يتحول إلى رغبة في الإنتقام وإيذاء المعتدي. ثالثا، يحدثنا المسيح عن الجندي الروماني الذي احتل فلسطين واخضع شعبها للظلم وللسلب. كان الرومان أصحاب قوة ولهم جيش قوي لا يقهر. يتحدث المسيح عن موقف الجندي الروماني الذي يسخّر أو يفرض رغبته بالقوة ويستغل الآخرين لخدمة مصالحه دون أي اعتبار لوقتهم أو أعمالهم. يريد أن يتعب الآخرون لكي يرتاح. وهكذا يعتدي الجندي على حرية الخيار ويفرض موقفه بالقوة ليحقق مصالحه الخاصة. سلبنا حرية اختيارنا وتسخيرنا بالقوة والتخويف يثير فينا الرغبة في الإنتقام. رابعا، يتحدث المسيح عن الابتزاز المالي وأخذ ما تعبنا في تجميعه. ويقول البشير لوقا أن المعتدي يسلب ما لنا (لو 6: 30). وربما يثير هذا الأمر الرغبة في الإنتقام. وهكذا تحدث المسيح عن الإعتداء الجسدي والإعتداء على الممتلكات والإعتداء على حرية الإختيار والإنتهازية في سلب الأموال. وفي ذات الوقت، أكد المسيح رفضه للإنتقام ولمقاومة الشر بالشر ورفضه مبادلة العنف بالعنف والخصومة بالخصومة ومبادلة فرض إرادة التسخير بفرض إرادة العناد ورفض مبادلة الخداع بالخداع والإبتزاز بالإبتزاز. وهكذا لا نضرب الضارب ولا نخاصم المخاصم ولا نفرض إرادتنا على المسخر ولا نبتز المبتز، بل نقاوم الشر بالخير لئلا نسمح للشر بامتلاكنا وبإثارة رغباتنا في الإنتقام. نخاطب إنسانية الإنسان عندما نعطيهم الخد الإيسر ونؤكد مبادئ الرحمة عندما نظهر تطرف قسوة المعتدي. ونسير الميل الثاني الذي لا يتطلبه القانون الروماني لنجد فرصة للحوار بدلا من بناء السدود الفكرية. ونعطي ما لنا لنفاجئ إنانية المبتز آملين في إرجاعهم إلى درب الحق وإظهار إجحاف الظلم. وهكذا ندعوهم أن يتركوا دائرة الأنانية ويدخلوا دائرة المحبة.

وهنا أود أن أعلق أن الحروب في بلادنا متمركزة في حب الذات على حساب كره الآخر. فعندما نرد اللطمة بلطمة مشجعين العنف، ونسلب ثوب المعتدي مهملين الرحمة، ونغادر بعد الميل الأول متخلين عن الحوار، ونسلب الأموال مُقادين من الجشع سنحصد حينها الحروب والدمار وسفك الدماء. لكن المسيح يدعونا إلى فتح باب الحوار والهروب من الإنغلاق الفكري. والسعي ليس نحو التعايش مع الآخر بل نحو العيش المشترك المبني على المحبة الإلهية. وهنا انتقل إلى حديث المسيح عن المحبة.

(2) عدم الكراهية
يقول السيد المسيح: "سمعتم أنه قيل: تُحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: احبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 43 – 44).

حرّف الناس وصية الله التي تنهى عن الإنتقام والحقد وتدعو إلى المحبة. فسفر اللاويين يقول: "لا تنتقم ولا تحقد على ابناء شعبك، بل تحب قريبك كنفسك" (لا 19: 18). وتغيرت الوصية إلى الكلمات التالية: تحب قريبك وتبغض عدوك. لقد أكد الضالون أن المحبة هي فقط للقريب أي لأبناء وبنات شعبنا وبالتالي يكونون غير مطالبين بمحبة العدو لأنهم ليسوا القريب. وهكذا تجاهلوا قلب الله الذي يعتني بالغريب كالوطني ويؤكد في سفر اللاويين وفي نفس الإصحاح أننا يجب أن نحب الغريب كما نحب أنفسنا إذ يقول: كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (لا 19: 34).

وعندما سأل احد الناموسيين السيد المسيح عن مفهوم محبة القريب. قدم له المسيح قصة مثيرة عن شعبين أعداء (كتناشو 2007: 175 – 176). وأعلمه أن بطل القصة هو السامري الذي اعتنى بالإنسان اليهودي الذي احتاج إلى الرحمة والعون (لو 10: 25 – 37). بدأت جذور العداوة بين الشعبين السامري واليهودي عند انقسام مملكة سليمان. تمرد يربعام على رحبعام ابن سليمان. بنى رحبعام شكيم ورفض عبادة يهوه لأنه اله هيكل اورشليم (1 مل 12: 21 – 33). وفيما بعد بنى عُمري مدينة السامرة سائرا في خطية يربعام الذي جعل اسرائيل يخطىء (1 مل 16: 21 – 28). غضب الله على شعبه الذي رفض تخصيص عبادته ليهوه وحده. فجاء الآشوريون ودمروا مملكة اسرائيل وعاصمتها السامرة سنة 722 ق. م. واسكنوا خمسة شعوب اخرى في الارض. فاختلط نسل يعقوب مع نسل الامم. مما دفع عزرا ونحميا إلى استثناء السامريين من المشاركة في إعادة بناء هيكل يهوه (عز 4: 1 – 5 / عز 9: 1 – 15). لم يُمثّل هيكل اورشليم السامريين فلا عجب انهم قرروا ان يبنوا هيكلهم الخاص في جرزيم سنة 400 ق. م. فتوترت العلاقات بين الشعبين اليهودي والسامري ودمر يوحنا هيركانس والي اليهودية هيكل جرزيم في القرن الثاني قبل الميلاد. وغضب السامريون ووضعوا عظاما نجسة في هيكل اورشليم. فصار اليهود يعتبرون كلمة "سامري" مساوية للشيطان (راجع يو 8: 48). واعتبر السامريون ان اليهود من نسل الشيطان. ظنوا ان الشيطان اغوى حواء فولدت قايين الذي جاء من نسله اليهود. وهكذا كانت هناك عداوة بين السامريين واليهود إلا أن بطل قصة يسوع هو السامري الذي أحب عدوه واعتبره قريبه فضمد جراحاته وأركبه على دابته واعتنى به وأوصى الآخرين أن يعتنوا به على حسابه صانعا رحمة مع عدوه.

هذه هي المحبة التي يطالبنا بها المسيح. ليست هذه المحبة محبة فيلم التيتانيك أو محبة العواطف التي تتقلب، بل إنها وصية المحبة وليست شعور المحبة. فهي تتطلب طاعة الله وليس المشاعر البشرية المتغيرة. لاحظوا فعل الأمر، أمر المحبة. ومحبة الأعداء هي عقيدة في جوهر المسيحية التي تسعى في طريق البركة لا اللعن. لقد أراد الله أن تتبارك كل قبائل الأمم بإبراهيم ولن نحصل على هذه البركة دون المحبة. والمحبة هي طريق الصلاة وطريق فعل الخير للمعتدي. ليست إحساناتنا مكافئة لشره، بل تحديا لإنسانيته المشوهه الخالية من الحق والرحمة والعدالة.

ويقول ستوت بحق: "وإن كنا لا نستطيع أن نصل إلى هذا المستوى، فهذا دليل ليس على روحانيتنا – بل على نقصها وبرهان ليس على حبنا السامي للناس – بل على حبنا المتدني لله" (ستوت 1999: 124). فكلما نحب الله أكثر نحب الناس أكثر. ومشكلتنا في هذه الأيام أننا لا نحب الله، بل نحب أنفسنا. ويدعونا المسيح أن نتبنى نوعية جديدة من المحبة. إنها المحبة الإلهية التي تضع مقياسا جديدا للبر. فما هي علامة روحانية الإنسان. يؤكد بولس الرسول في رسالته لأهل كورنثوس أننا نعيش في عالم الوهم عندما نظن أننا أناس روحانيين ونحن نفتقر إلى المحبة. يقول: "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرت نحاسا يطن أو صنجا يرن. وإن كانت لي نبوة وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبة، فلست شيئا. وإن أطعمت كل أموالي، وإن سلمت جسدي حتى أحترق، ولكن ليس لي محبة، فلا انتفع شيئا" (1 كور 13: 1 – 3). بكلمات أخرى، لا يدعونا الرسول بولس إلى الإكتفاء بتقديم المساعدات الإنسانية بل إلى حياة المحبة التي تتطلب مصلحة موضوع محبتنا.

ليست هذه المحبة ضعفا أو تبريرا لإستمرارية الظلم، بل هي المحبة المخاطرة التي تقول الحق في وجه الظلم. إنها المحبة التي تدافع عن الضعيف والمظلوم وتخاطب الظالم سواء كان يهوديا أو عربيا. وتنقلنا هذه المحبة من مقاييس الأرض إلى مقاييس السماء. وترفع أخلاقياتنا من مستوى الذين يحبون من يحبهم إلى المحبة الإلهية التي قدمها الله لإعدائه. ليست هذه المحبة مجانية بالرغم من سهولة اختبارها. فكلفتها هي دم المسيح المسفوك على الصليب حين أكد الله قداسته والتزامه بالبر والعدل. وليس الحصول عليها رخيصا فمن يحصل عليها وجب عليه التوبة والخضوع لله رب العالمين. بالرغم من هذا إنها متوفرة بسهولة. فأبواب السماء مفتوحة لمن يدعو رب المحبة باسم المسيح.

واختم بقولي أن محبة الأعداء تتناقض مع قتلهم. فكيف نحمل السلاح ونحارب ونسفك دم الناس وفي ذات الوقت نؤكد محبتنا لهم. يقول بولس الرسول: "فإن جاع عدوك فأطعمه. وإن عطش فاسقه . . . لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير" (رو 12: 20 – 21). هذه هي دعوة المسيحية ورسالتها عن عدم الإنتقام والمحبة. فلنمارس هذه المحبة مع أهل غزة وفلسطين ومع كل سكان إسرائيل.



لائحة المراجع

Katanacho, Yohanna. “Reflecting of Gaza: An Open Letter to My Messianic Brothers and Sisters,” accessed on January 5, 2009; Internet: http://www.comeandsee.com/modules.php?name=News&file=article&sid=954.
Wenham, John. Chrit and the Bible. Carol Stream: Tyndale, 1972.


إدي، وليم. شرح بشارة متى. بيروت: مجمع كنائس الشرق الأدنى، 1973.
ستوت، جون. الموعظة على الجبل. ترجمة رضا الجمل؛ القاهرة: دار النشر الأسقفية، 1999.
كتناشو، حنا. أنا هو . . . فمن أنت؟ القدس: الخدمة المتجولة، 2007.



 
Developed by ITSOFTEX , Powered by Yafita