عائلة كتناشو


فكل من يسمع اقوالي هذه ويعمل بها اشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر  (متى 7: 24)

اهلا وسهلا بكم في الموقع الخاص بعائلة كتناشو
الصفة الرئيسة
الصور
شريط فيديو
السيرة الذاتية
اختبارات روحيّة
كتب
مقالات
عظات
مقابلات وإعلام
أخبارنا
اتّصلوا بنا
English Site

العلاقات المسيحية - الاسلامية في الناصرة
November 12, 2012


العلاقات المسيحية-الإسلامية في الناصرة


اقدم لكم هذه الأفكار كأحد اتباع السيد المسيح الذي علمني أن احب وأخدم جميع الناس. لقد انتقلت للعيش في الناصرة سنة 2007. جذبتني الناصرة بسكانها وتنوعها وتاريخها. وقابلت فيها مسيحيين ومسلمين رائعين. ففرحت بهذه المدينة إلا أنه يوجد فيها شيء ينغص عيشتي. ففي كل مرة أقود بها سيارتي بالقرب من كنيسة البشارة انزعج من اللافتات المكتوبة إذ ارى فيها اساءة للمسلم والمسيحي. فهي تبرز جوانب دينية في إطار اقصائي وعدائي وتنادي بتفوق الدين الإسلامي أمام الحجاج المسيحيين. والعجيب أن اللافتات مكتوبة باللغة الانكليزية مما تنفر السائح الاجنبي الذي يفيد كل المدينة ويساهم في تطورها الاقتصادي. أثار هذا المشهد المزعج أسئلة في ذهني تتعلق بالعلاقات المسيحية–الاسلامية في الناصرة. وأود في هذا المقال الصغير طرح تاريخ هذه العلاقات بصورة مبسطة وأرجو ألا تكون ساذجة.

 دارت حروبات عديدة بين اتباع الإسلام واتباع المسيحية في ربوع الناصرة. فلقد كان سكان الناصرة مسيحيين بعد حكم قسطنطين في القرن الرابع. ثم جاء الاسلام في القرن السابع وتحولت الناصرة إلى بلدة اسلامية. ولم يزدهر المسيحيون في الناصرة في هذه الفترة بسبب الغزوات البدوية على ارضهم وكنائسهم. ثم جاء الصليبيون في بداية القرن الثاني عشر وجعلوا الناصرة عاصمة الجليل واعادوا بناء كنيسة البشارة. ولكن صلاح الدين الأيوبي هزم الصليبيين في معركة حطين سنة 1187 م. واستعاد الناصرة. وسمح صلاح الدين للحجاج المسيحيين بزيارة المواقع المسيحية المقدسة. للأسف، لم يكن المماليك مثل صلاح الدين إذ دمر بيبرس كنائس الناصرة في القرن الثالث عشر وقتل المسيحيين الذين رفضوا أن يصبحوا مسلمين. ودارت حروبات بين الأوربيون والمماليك. تارة يفوز اتباع المسيحية وتارة اخرى يفوز اتباع الاسلام. ودائما يخسر الانسان ويموت الشباب والاطفال. تتنازع الأديان ويموت الإنسان.

 وبعد مجيء العثمانيين برزت شخصتين مؤثرتين وهما فخر الدين الثاني وظاهر العمر. شجع فخر الدين الثاني الرهبان الفرنسيسكان أن يعيشوا في الناصرة وسمح لهم ببناء الأديرة والكنائس. ولكن صفو حياتهم تعكر عندما اصر بعد البدو أن يغزوا الكنائس وينهبوها. وأعد الله ظاهر العمر، احد قادة البدو ليعتني بأمن وأمان الناصرة وكل سكانها. وسمح ببناء الكنائس وحافظ عليها. وتبنى فلسفة هذين القائدين قادة آخرون امثال ابراهيم باشا. وهكذا صار المسيحيون الأغلبية سنة 1856 م. ولقد ظهر على الاقل نوعان من المسلمين وهما المسلم البدوي الغازي والمسلم النصراوي الذي يناصر المسيحيين ويرغب بالعيش المشترك بسلام.

 وجاء الانتداب البريطاني، وصارت الناصرة تحت سيادة اتباع المسيحية وليس بالضرورة اتباع المسيح. ولقد كانت نسبة المسيحيين في الناصرة 73% سنة 1922 وتحول إلى 61% سنة 1944. وفي سنة1948 سلّم رئيس بلدية الناصرة يوسف الفاهوم البلدة لأيدي القوات الاسرائيلية. وصارت الناصرة ملجأ للعديد من السكان النازحين. وتحولت الناصرة مرة أخرى إلى عاصمة الجليل. في ذات الوقت بدأت نسبة المسيحيين تقل. وتحول المسيحيون من اغلبية دينية إلى اقلية دينية في المدينة بسبب اللاجئين المسلمين وبسبب توسيع حدود المدينة وبسبب توالد المسلمين اكثر من المسيحيين.

 وبنى المسيحيون في الناصرة كنيسة ضخمة ابرزت الطابع المسيحي الغربي وحسمت التباهي بين بنايات الكنائس والجوامع لصالح المسيحيين. إلا أنه في ظل مجتمع نصراوي يشدد على القاعدة اللغوية والاجتماعية والقومية المشتركة بين المسيحيين والمسلمين لم تساهم هذه البناية الضخمة في البداية في زعزعة العلاقات الطيبة والمستقرة بين اتباع الديانتين. لاحقا، رأى البعض ضخامة البناية الكنسية كتحد بين الأديان. وازدات وتيرة الصراع مع تغير الوضع الديمغرافي في المدينة وانهيار القومية العربية وبروز الاسلام السياسي الذي انتشر بين الفئات الفقيرة والمحتاجة إلى الخدمات الاجتماعية. وملّ المسلمون من الادعاءات المسيحية المتعلقة بالتفوق الحضاري والاجتماعي والمعماري. وبرز مشروع بناء مسجد شهاب الدين أمام كنيسة البشارة. ولم ينجح المشروع ولكن اللافتات مازالت موجودة امام الكنيسة.

 في ضوء ما سبق، اقترح الأمور التالية: أولا، يجب أن ندرك ان التفاعل المسيحي–الاسلامي قد دخل مرحلة جديدة. ويحتاج المسيحيون أن يتعاملوا مع المسلمين في ضوء "الربيع العربي" والإسلام السياسي والتطرف ولغة التكفير المنتشرة على صفحات الشبكة العنكبوتية. ثانيا، لا نستطيع أن نعمم ونضع المسلم النصراوي والمسلم البدوي في نفس القالب. فبالرغم من تغير التسميات إلا أنه مازال يوجد اصوات معتدلة عند احبائنا المسلمين ومازال يوجد اصوات متطرفة عند شعبنا المسيحي. ونحتاج أن نبني التفاعل المسيحي–الاسلامي من منظار المحبة والعدالة والعيش المشترك وليس من منظار الخلافات العقائدية فحسب. ثالثا، إن اللافتات الموجود بالقرب من كنيسة البشارة هي وضع مخزي. ويجب ألا نقبل هذا الأمر بل نتحدث بوضوح وبشجاعة مطالبين بإزالتها. ويجب علينا تقديم الاعتراضات لكل الجهات لنظهر أن هذه اللافتات تسيء إلى استقرار الناصرة وسلامها وازدهارها. رابعا، ادعو المسلمين والمسيحيين إلى زيادة الوعي الديني ومعرفة الآخر بدون تعصب. وأصلي أن ينخرط اتباع المسيح في نشر السلام الاجتماعي بدافع محبة الله والقريب. فمصلحة المسلم النصراوي والمسيحي في الناصرة هي وجود مدينة تحتضنهما وتمنحهما الحرية المسؤولة التي تبني بدلا من أن تهدم.


القس حنا كتناشو

© جميع حقوق الطبع محفوظة للكاتب



 
Developed by ITSOFTEX , Powered by Yafita